سهيلة عبد الباعث الترجمان
755
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وقد يصل الأمر بالعبد المتحقق إلى الفناء الكلي في اللّه فلا يعي شيئا حتى ليبدو كأنه في ذهول دائم فينكر أفعاله وينسبها إلى اللّه ، وهذا المشهد لخواص الخاصة . فيقول : " ومنهم من لا يشهد فعل نفسه ، بل يشهد فعل اللّه فقط ، فلا يجعل لنفسه فعلا ، فلا يقول في الطاعة أنه مطيع ، ولا في المعصية أنه عاص ، ومن جملة ما يقتضيه مشهدهم : أن أحدهم يأكل معك ويحلف أنه ما أكل ، ويشرب ويحلف أنه ما شرب ثم يحلف أنه ما حلف ، وهو عند اللّه برّ صدوق ، وهي نكتة لا يفهمها إلّا من ذاق هذا المشهد ووقع فيه وقوعا عينيا " « 1 » . ويفرق الجيلي بين المشاهدة لمراتب الوجود الحقي وبين مشاهدة الكمال الإلهي متجليا في أسمائه وصفاته ، فالأولى وهم وخيال لأنها ليست سوى وجود مجازي ، لا حقيقة له عند أهل المشاهدة والتحقيق ، وهو متسق مع منطق مذهبه في رد الكثرة إلى الوحدة ، أما تجلي الحق وشهود تجلياته فهو الوجود الحقيقي فقال : " فهو سبحانه إذا تجلى شوهد بما تجلى به ، وكل مشهود متناه ، لكنه يظهر في تجليه المتناهي بلا نهاية ، فهو من حيث تناهيه بلا نهاية ، وهو من حيث واحديته شيء واحد ، والواحد لا كثرة فيه ، فلا يقال إنه لا نهاية له لأن عدم التناهي من شروط الكثرة ، وهو منزه عن الكثرة ، وهو من حيث ذاته المتعالية عن الحد والحصر والإدراك لا نهاية له ، فجمع الضدين في عين وحدته التي لا تثنية فيها " « 2 » . أمام هذه النظرة الواحدية للوجود التي يرى الجيلي فيها : " أن اللّه هو عين كل شيء فإنه يترتب على ذلك وجود مراحل شهودية يترقّى فيها إلى أن يشهد تجلي الحقيقة في ذاته حيث يظهر فيه الجانب الحقي ويزول الجانب الخلقي ، فيعرف حقيقة القول : " من عرف نفسه فقد عرف ربه " « 3 » . وقد أشار إلى ذلك فقال : " فمتى لم تعرف الوجود بهذه المعرفة - أنه عين كل شيء - لم يتجلّ عليك الحق فيها ، وبقيت وراء حجب الأكوان . ومتى لم تعرف الحق وتشهده في الوجود كله ، بل في ساير
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 40 . ( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 3 . ( 3 ) الحديث : سبق تخريجه .